ضغط عصبي ونفسي مستمر بسبب “كورونا”..

تشير مجموعة من الدراسات إلى أن ما يراوح بين 35% إلى 60% من الذين شملتهم هذه الدراسات وقعوا تحت درجات مختلفة من الضغط العصبي، كما أن حالتهم النفسية والعصبية تأثرت؛ نتيجة الضغط والقلق.

ذكرت دراسة أخرى استهدفت أهالي الأطفال في إيطاليا وإسبانيا أن أكثر من 80% منهم لاحظوا تغيراً في حالة صغارهم النفسية والسلوكية، وشمل هذا التغير: ضعف التركيز وسرعة الانفعال والشعور بالوحدة.

أشارت عدة تقارير إلى أن الإغلاق الصارم المفروض على المدن؛ جعل الكثيرين يتعرضون لانتكاسات عاطفية، كما أن التغيير المفاجئ والكلي في روتين الحياة؛ أثر في الجميع؛ وذلك بصرف النظر عن العمر أو المهنة؛ ولذلك فتتوقع هذه التقارير أن الاكتئاب الموسمي سيظهر هذا العام في وقت مبكر.

كانت إحصاءات صدرت عن مستشارين وأطباء نفسيين ذكرت أن هناك زيادة في حالات التوتر ونوبات الهلع بلغت نسبتها أكثر من 35%.

صدمات مزمنة

أصيب أكثر من 30% من أطقم الرعاية الطبية والصحية في الصين بالأرق بشكل متفاوت؛ وذلك خلال انتشار جائحة كورونا، كان هذا ما أكدته دراسة حديثة بعد استقصاء أجراه القائمون عليها على عينة من 1500 فرد.

عانى أفراد العينة الأرق، وبحسب الدراسة فإنهم تعرضوا للشعور بالاكتئاب والصدمات النفسية التي تنتج عن التوتر بصورة كبيرة، وتتوقع أن الأمر ربما يصبح مزمناً مما يحتاج معه البعض للتدخل الطبي.

كانت نتائج مشابهة ظهرت إبان انتشار فيروس سارس في 2003، وأشارت الدراسة إلى أغلب العاملين بالقطاع الطبي تأثروا بشكل قوي، وشمل شعورهم بالإرهاق والخوف من الاتصال الاجتماعي، واستمر هذا الشعور لديهم بعد انتهاء الوباء بعامين.

النساء أكثر

كانت دراسة أخرى خرجت في إيطاليا بينت أن العاملين في القطاع الطبي عانوا عدداً من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وسجلت هذه الأعراض في نحو نصف العاملين، في حين أن أكثر من 20% من المتأثرين سجلوا أعراضاً أشد من القلق والاكتئاب، وكان التأثير على النساء، واللاتي كن أكثر تعاملاً مع المصابين بفيروس كورونا المستجد، أكثر من الرجال.

أدت حوادث العنف ضد الأطباء، والتي وقعت في مناطق مختلفة من العالم، إلى أن الخوف بين العاملين في هذا القطاع تصاعد لديهم بشكل كبير.

يرى عدد من الباحثين أن نحو 30% من المصابين بالفيروس عرضة كذلك إلى أن يصابوا باضطراب ما بعد الصدمة، وبالذات لهؤلاء الذين بقوا مدة طويلة في العزل الصحي أو المستشفيات.

درجات من التوتر

يتجاوز الأمر العاملين في قطاع الرعاية الصحية؛ إذ إن الإخصائيين النفسيين وأطباء الأمراض النفسية يتوقعون أن هناك آثاراً أشد ستظهر بعد انتهاء الموجة الأولى لوباء كوفيد-19، وهذا ما أشار إليه استطلاع للرأي بين أن هناك عدداً كبيراً من الناس يعانون درجات مختلفة من التوتر.

تسبب هذا الأمر في ظهور بعض الأعراض الجسدية كالصداع والآلام المتفرقة في الجسم، وبالذات في المعدة، إضافة إلى الأرق واضطرابات الكل، وكل هذه علامات على القلق المرضي.

أثارت الدراسات أمراً آخر في أزمة فيروس كورونا؛ حيث تسببت مشاركة كل ما يتعلق بالفيروس على صفحات التواصل الاجتماعي في اتساع معدل الخوف، وبالتالي مثل خبر الإصابة صدمة شديدة للشخص، وبخاصة الفئات الواقعة في دائرة الخطر كالمسنين وأصحاب الأمراض المزمنة.

نقيض الطبيعة البشرية

أشار مقال بحثي إلى أن الآثار النفسية التابعة لفيروس كورونا تعد نقيضاً للطبيعة البشرية، وفي هذا إشارة إلى إجراءات العزل الاجتماعي.

يميل البشر – بحسب هذه الفرضية – إلى التواصل مع الآخرين عند وقوع الكوارث، فوجودهم في مجموعات تشكو همومها لبعضها، وتستمد الهدوء والقوة ليس شعوراً عابراً، وإنما يعد مركباً رئيسياً في بنية البشر النفسية.

يعد التواصل غريزة كالأكل والشرب، وتزداد أهــــــميته مع اقـــــتراب الخطــــر، وبالتالي فإن الانعزال عن الآخرين واعـــــتبارهم مصدر إصابة الكارثة الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

زيادة حدة الأعراض

حذر الأطباء النفسيون من أن المصابين بأمراض أو اعتلالات نفسية قبل جائحة كورونا يجب أن يكون انتباههم مضاعفاً؛ لأن الوباء من الممكن أن يضاعف أعراض المرض النفسي، ويعرض بعض المتعافين للانتكاس، وبخاصة أن الفيروس يحمل معه آثاراً نفسية تضاف إلى الموجودة بالفعل.

أشارت الدراسات التي أجريت في عدد من البلدان، على سبيل المثال سنغافورة وجنوب إفريقيا وكندا وفرنسا وبريطانيا، إلى أن من يعانون أمراضاً نفسية قبل ظهور الفيروس زادت حدة الأعراض لديهم بعد ظهوره؛ بل إن بعض الحالات تدهورت بشدة.

ارتفعــــت كــــذلك الرغبة في الانتحار، والخوف الزائد من العدوى، وبحســـب هذه الدراســـــــــات فـــإن 50% مــــــن الوفــــيات بســــبب كورونا وقعت في الرعاية الصحية النفسية طويلة الأمد.

الاكتئاب الموسمي

امتدت التأثيرات النفسية لفيروس كورونا إلى زيادة معدل الإصابة بالاكتئاب الموسمي، والذي يعد فصل الشتاء من أكثر الأوقات ظهوراً لأعراضه، وربما كان معدل الإصابة بهذا الاضطراب هذا العام أسوأ.

يطلق على الاكتئاب الموسمي الاضطراب العاطفي الموسمي، ويدخل ضمن اضطراب القلق الاجتماعي، ويحدث نتيجة تغيرات المواسم.

تبدأ أعراضه بداية من فصل الخريف وتستمر مع الشتاء وتنتهي بفصل الربيع، وأعراضه نفس أعراض الاكتئاب الشائعة، إلا أنها لا تظهر إلا في الشتاء.

تشمل الأعراض المزاج السيئ والتهيج والشعور بالكسل والنعاس، والنوم الكثير وصعوبة الاستيقاظ، كما يعاني المصاب زيادة الوزن والحزن والانسحاب الاجتماعي، ومشاكل في التركيز.

تعامل مع مخاوفك

دعا الاستشاريون والأطباء النفسيون إلى محاولة التغلب على حالة الخوف والهلع التي من الممكن أن تؤثر سلبياً ويكون لها مخاطر أكثر من فيروس كورونا.

تخفف بعض الحقائق كثيراً مما نعانيه من قلق ومخاوف، ومن حقائق فيروس كورونا أنه ليس الأسوأ كما يظن البعض، فلا يمكن أن يقارن بالطاعون الأسود؛ بل إن بعض الفيروسات التي ظهرت في العصر الحديث كانت نسبة وفياتها أعلى منه، سارس قتل 10% من المصابين به، وميرس قتل أكثر من 30%.

ذكرت دراسة صينية في هذا الإطار، والتي صدرت مؤخراً وكانت بيناتها معتمدة على قرابة 70 ألف حالة، أن أثر الفيروس يعد متوسطاً فيما لا يقل عن 70% من الحالات، وهو مثل نزلات البرد الطبيعية.

أشارت إلى أن الحالات التي كان تقييمها خطراً لم تزد على 12%، وكان 5% فقط من الحالات هي الحرجة، وهي التي ينتهي الكثير منها بالوفاة.

لا تتابع الأخبار

ترتبط حالة التوتر والضغط العصبي الشديد بمتابعة أخبار الفيروس، وبخاصة الأخبار الزائفة والتي يمكن أن تتوقف بمجرد الامتناع عنها.

تساعد مجموعة من الإجراءات في التغلب على حالة التوتر والقلق، ومن ذلك ممارسة ما يحسن من الحالة المزاجية كممارسة إحدى الهوايات، القراءة على سبيل المثال، كما أن التواصل من الأخرين من خلال وسائل التواصل الإليكتروني تخفف من حدة التوتر.

يعد الأكل الصحي ومممارسة الرياضة من العوامل التي تحسن كذلك من الحالة المزاجية، وتساعد في التغلب على القلق المرضي.

تفيد بعض تمارين العلاج المعرفي السلوكي، والتي اقترحها عدد من علماء علم النفس، وتبدأ بفحص الإنسان لمخاوفه قبل أن تتطور، ولابد أن يكون تقييم الشخص للأمور واقعياً، مع التركيز بقدر الإمكان على الممكن فعله لا ما يمكن أن يسوء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.